حيدر حب الله

122

حجية الحديث

وهؤلاء كانوا يختلقون الروايات والأحاديث ذات المضمون الجيّد في نفسه في بعض الأحيان ، وهذا ما يسمّى في الدراسات الحديثيّة بالأسباب النبيلة والدينية للوضع ، ويقصد بهذا النوع من الأسباب تلك الدوافع الدينية والإيمانية الصادقة التي تعتقد بأنّ وضع الحديث أحياناً لغايات نبيلة يحقّق خدمةً للدين ، وهذا النوع من الوضع والوضّاعين هو من أخطر أنواع الوضع ، كما ذكر علماء الحديث والدراية « 1 » . ويعتقد هؤلاء أنّ وضع الأحاديث في القضايا الأخلاقيّة والروحية يرقّق قلوب العامّة ، كما نسب إلى أحدهم ، وكان من عظماء الزهد والأخلاق « 2 » . والمتوقّع منهم أن يفعلوا ذلك - بصرف النظر عن بعض الشواهد التاريخية عن شخصٍ هنا وآخر هناك - هم أهل الزهد والإيمان الذين يملكون نزعات روحية عميقة ، فإنّ هؤلاء قد يضعون الكثير من الروايات الأخلاقية والروحية ، ومن روايات الآداب وفضائل الأعمال ، ومن روايات القصص الوعظيّة ذات العبر ، دفعاً للناس لليقظة والخروج من الارتهان لحطام الدنيا وزخرفها ، وقد نجد في مرويّات هؤلاء تسفيهاً للفقهاء ومسلكهم ؛ نظراً للخلاف التاريخي بين الطرفين ، كما نلاحظ في رواياتهم ظهوراً واضحاً لنزعة التأويل والأسطرة ، ومن هذا القبيل رغبتهم في نقل الأفعال الخارقة والكرامات ، كما يشير إلى ذلك الشهيد الثاني « 3 » . وخطورة هذه الظاهرة أننا لا نملك كشفاً دقيقاً برجالاتها ؛ لأنّ المفروض صلاحهم وتديّنهم بحسب الظاهر ، فما ذكره بعض العلماء من أنّ جهابذة أهل الحديث كشفوا

--> ( 1 ) انظر : ابن الصلاح ، علوم الحديث : 99 ؛ وأحمد أمين ، فجر الإسلام : 214 - 215 ؛ والسيوطي ، تدريب الراوي 1 : 238 ؛ والمامقاني ، مقباس الهداية 1 : 409 - 412 ؛ والكركي ، وصول الأخيار إلى أصول الأخبار : 415 ؛ والشهيد الثاني ، الرعاية لحال البداية : 206 ؛ وابن جماعة ، المنهل الرويّ : 54 . ( 2 ) انظر : الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد 5 : 284 ؛ وابن الجوزي ، الموضوعات 1 : 40 ؛ والذهبي ، ميزان الاعتدال 1 : 141 . ( 3 ) الرعاية لحال البداية : 206 .